بهاء الدين الجندي اليمني
471
السلوك في طبقات العلماء والملوك
وقد غطّي وذكر عليه اسم اللّه تعالى ، قال كما فيه صبي قد أكل شيئا ونام قبل غسل فيه قالت بلى لكني أخشاك تضرّه قال إذا أصبح وعلى فيه شيء فأطلوه بطحلة الجرّة « 1 » ثم غاب عن نظر الفقيه وإذا به يسمع بكاء الطفل في المهد فاستيقظت أمه وحركته حتى نام وعاد الفقيه إلى ورده ثم لما أصبح الصباح ظهر على فم الصبي بثر فقالت أمه للفقيه : يا سيدي ، ما هذا الذي بولدي ؟ قال : تطعمينه ولا تغسلين فمه من الطعام ، فعرفت وقالت : نعم فقال : هاتي الجرّة فأتته بها فأبعد ماءها وسلت من طحلتها شيئا « 2 » فطلى به فم الصبي فلم يلبث أن تعافى ، ثم أقبلت الهرة تمشي على سبيل عادتها ، فقال الفقيه لها : هكذا يا مسعودة تساعدين علينا ، فنظرت إليه ساعة ثم ولّت فقال الفقيه قد ربينا هذه الهرة فاللّه عليها خير حافظا فنزلت الهرة الدهليز وأرادت أن تخرج من طاقة فيه فحنبت « 3 » فيها ثم لما كان بعد يومين افتقدت فلم توجد فأمر الفقيه من طلبها وقال : لعلها في الموضع الفلاني فوجدت فيه حانبة فخلصت منه وأتى بها إلى الفقيه فمسح عليها وقال : لا بأس عليك لا تغيري الصحبة ، ثم لما استفاضت هذه الرواية صار كل من حصل به حول فمه بثر طلاه بطحلة الجرة فيبرأ ، وجرب ذلك وقدم على هذا الفقيه الفقيهان محمد بن أبي بكر الأصبحي ومحمد بن عمر الزيلعي ، أخبرني الفقيه صالح بن عمر بذلك وأنه يذكر قدومهما عليه وسمعا عليه كتاب الرقائق لابن المبارك وكنت إذا ذاك صغيرا . ولقد ندمت حيث لم أحضر سماعهما وكان محبوبا عند أهل بلده ونواحيها مسموع القول مقبول الشفاعة ، وكان خطيب البلد وإمام الجامع وكانت وفاته نحو ستين وستمائة تقريبا وحضر قبرانه خلق لا يكادون يحصون . ومن غريب ما جرى يوم موته أنه لما توفي كانت له بقرة غالب إدامه من لبنها ودهنها ، توفيت يوم توفّي أيضا فلم يخرج الفقيه حتى أخرجت البقرة وكان معه مؤذن بينه وبينه محبة وربما كانا أترابا فحين توفي الفقيه خرج من جملة القبار وجعل ابنا له « 4 »
--> ( 1 ) الطحلة بفتح الطاء وسكون الحاء المهملتين ثم فتح اللام آخره هاء هو ما التصق بالجرّة من الطين مع الماء واستمر كثيرا حتى كان لزجا ، والكلمة مستعملة والدواء بذلك مستعمل إلى تاريخنا هذا . ( 2 ) سلت : قطع منه بطرف الأصابع ومنه سلت الحلبة وهي لغة دارجة وفصحى ومدوّنة . ( 3 ) حنب : بفتح الحاء وكسر النون آخره باء موحدة نشب وعلق فلا يخرج منه إلا بشدة ، ومنه المثل حنب الفاس في الرأس لغة يمانية فصحى في عموم اليمن ومنه ( المحنب ) بكسر الميم الذي يصاد به الفيران لأنه يجنب فيه ولا يستطيع الخروج منه وهو المقط . ( 4 ) مثل هذا يقع ولقد حدثت حوادث تشبه هذه القضية كما وقع لأناس شاهدت ذلك . والقبّار : بضم القاف وتشديد الباء الموحدة وهو الذي يحضر لدفن الميت .